عبد الملك الجويني
390
نهاية المطلب في دراية المذهب
وسلم ، فنذكرها تأسياً بما ذكره الشافعي . والحاجة تمسّ إليها لإيضاح التواريخ ، وإسناد الأخبار إليها ، وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرواية الظاهرة بمكة ثلاثَ عشرةَ سنة ، فلما هاجر إلى المدينة لم يجر في السنة الأولى قتال ، وجرت في السنة الثانية غزوة بدر ، واتفقت في الثالثة غزوة أحد ، وفي السنة الرابعة اتفقت غزوة ذات الرقاع ، وفي السنة الخامسة غزوة الخندق ، وفيها قَتَل عليٌّ عمرو بنَ وُدّ ، وهزم الله الأحزاب بالريح ، وجرت في السنة السادسة غزوة بني النضير ، ومُرَيْسيع ، وفيها قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، فصُدّ من الحُديبية . ثم في السنة السابعة جرى فتح خَيْبر ، وعاد إلى مكة وقضى العمرةَ ، وفي السنة الثامنة فتح مكة ، وسار إلى هوازن ، واتفقت خَرْجته في السنة التاسعة إلى تبوك ، وفيها أقر أبا بكرٍ على الحجيج ، فحج بهم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا همّ بغزوة وَرَّى بغيرها ، ولم يورِّ في غزوة تبوك ، بل باح حتى يأخذ الناس أنفسهم لبعد المسافة ، واتفقت تلك الخَرْجة في شدة الحر ، وبالغ في استحثاث المسلمين وتحريضهم ، ونهيهم عن التثبيط ، وقيل صحبه في تلك الخَرْجة ثلاثون ألفاً ، وتخلف عنه أقوامٌ . والمتخلفون ثلاث فرق : المنافقون ، والمسلمون الذين كانوا لا يجدون أهبة الخروج ، وتخلّف قادرون أيضاً استثقالاً للخروج في الحرّ . وهؤلاء كانوا ثلاثة : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، [ ومُرارة بن الربيع ] ( 1 ) ، فنزل على الجملة في شأن المخلَّفين قولُه تعالى : { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ . . . } [ التوبة : 120 ] ، ونزل في شأن المنافقين : { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ } [ التوبة : 81 ] . وأمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا يُصغي إلى كلامهم إذا رجع إليهم ، ولا يأذن لهم في الخروج ، فقال عز وجلّ : { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ
--> ( 1 ) في الأصل : وأبو لبابة . والتصويب من كتب السيرة ، وحديث الثلاثة المخلفين متفق عليه ، ولم يذكر أحد أبا لبابة فيهم . وتابع الغزالي شيخه في البسيط فجعل أبا لبابة الثالث مكان مرارة بن الربيع .